محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي
58
أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه
لأرقد ، فلما تلففت بكسائي ، سمعت صوتا من أقصى المقبرة : لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو حي لا يموت ، بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير . فقعدت أسمع ساعة ، فو اللّه ما رأيت أحدا ، فلمّا ان هويت لأرقد ، إذا أنا بالصوت يقول مثل قوله الأول : لا إله إلّا اللّه ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو حي لا يموت ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، فخرجت ، وقلت : واللّه لا أنتهي حتى أنظر ما الخبر ؟ فدرت في المقبرة ساعة ما أسمع شيئا ولا أرى أحدا ، حتى إذا هويت لأخرج سمعت الصوت ، فخرجت أؤمّ الصوت ، فقعدت ليلا لاستمع ، فإذا بالصوت يخرج من القبر : لا إله إلّا اللّه ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، فأتيت القبر فعلّمته بحجارة ، ثم خرجت فرقدت ثم ترددت إلى القبر أطلب أين هو ، فوجدت عجوزا عنده ، فقلت لها : أيا أمة من صاحب هذا القبر ؟ فارتاعت لمسألتي عنه ، وقالت : ما له وما سؤالك عنه ؟ فأخبرتها بالذي سمعت ، فقالت : وسمعته ؟ قلت : نعم . قالت : فو اللّه ما فاتته في رقاده ، يتكلم بها لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت ، بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير . ويقال : إنّ قصي بن كلاب دفن بالحجون ، وهي المقبرة الأولى . وحدّ الحجون « 1 » : الجبل المشرف الذي بحذاء المسجد الذي يلي شعب
--> ( 1 ) ما ذكر في طرفي الحجون لا يعرف اليوم ، فالمسجد الذي بحذاء شعب الجزّارين ( شعب أبي دبّ ) لا يوجد اليوم ، كما أنّ حائط عوف ، وبيوت ابن الصيقل لا يعرفان اليوم كذلك . فكأنّ الفاكهي يريد بالمسجد هنا : المسجد الذي أقامه بغا بالقرب من بئر أبي موسى الأشعري ، عندما نثلها وأصلحها وبنى عندها سقّاية وجنبذا ، ومسجدا . وكما قلت : إنّ المسجد لا يوجد اليوم ، وأمّا البئر